عندما يدعم الزيفَ أناسٌ يدّعون الثقافة والتعليم
بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس
إن التعليم في جوهره طريقٌ لاكتشاف الحقيقة، وبناء الحكمة، وتنمية الشجاعة الأخلاقية. غير أن الواقع يكشف أحيانًا مفارقة مؤلمة، تتمثل في أن الزيف يجد الدعم من أناس يدّعون أنهم متعلمون ومثقفون. فهم يمتلكون الشهادات الأكاديمية، ويتقنون مختلف النظريات، ويتحدثون بطلاقة عن الأخلاق والقيم، لكنهم لا يستطيعون دائمًا تقديم الحقيقة على المصالح الشخصية أو الفئوية.
ومن المفترض أن يمتلك الإنسان المتعلم القدرة على التفكير النقدي، والتمييز بين الحقائق والآراء، وتقييم القضايا استنادًا إلى أدلة يمكن التحقق منها والدفاع عنها بمسؤولية. لكن بعض الناس، للأسف، يوظفون ذكاءهم لتبرير الأخطاء. فيزيّنون الأكاذيب بحجج مقنعة، ويخفون التلاعب وراء لغة علمية، بل ويبررون الظلم حفاظًا على مصالح معينة.
وهنا تتجلى مفارقة التعليم حين ينفصل الذكاء عن النزاهة. فالمعرفة التي ينبغي أن تكون نورًا يهدي المجتمع تتحول إلى أداة لترسيخ الزيف واستمراره. والشهادات الأكاديمية التي يفترض أن تعكس عمق التفكير قد تُستخدم درعًا لإسكات النقد، ووسيلةً لصناعة صورة توحي بأن أصحابها على صواب دائمًا.
والحقيقة أن المعيار الحقيقي للإنسان المتعلم ليس علوّ شهاداته، ولا فصاحة لسانه، ولا اتساع نفوذه وتأثيره. وإنما يتمثل المعيار الأعمق في شجاعته للاعتراف بأخطائه، واستعداده لقبول الحقائق، والتزامه بالدفاع عن الحقيقة، حتى إن تعارضت مع مصالحه الشخصية.
كما ينبغي للمجتمع أن يكون يقظًا تجاه الزيف الذي يكتسب شرعيته من شخصيات متعلمة وذات مكانة فكرية. فعندما تحظى الأكاذيب بدعم أصحاب السلطة المعرفية، تصبح آثارها أشد خطورة. وحينئذٍ لا يعود الزيف ظاهرًا بوصفه خطأً، بل يُقدَّم وكأنه حقيقة تستحق التصديق والثقة.
وفي نهاية المطاف، فإن التعليم الذي يفتقر إلى الصدق لا ينتج إلا ذكاءً فاقدًا للبوصلة. إن أمتنا لا تحتاج إلى أناس أذكياء وأصحاب معرفة فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى أشخاص يتحلون بالنزاهة، ويمتلكون الشجاعة للوقوف إلى جانب الحق.
فالحكيم يبحث عن الحقيقة، أما من فقد النزاهة فينشغل بالبحث عن المبررات لما يريد تصديقه.
