FEATUREDUpdate

التفكير المرن: مفتاح البقاء في زمن التغيرات المتسارعة

بقلم: الدكتور عبد الودود نفيس

في عصر يشهد تغيرات سريعة ومتلاحقة، لم يعد الإنسان مطالبًا بأن يكون ذكيًا فحسب، بل أن يكون مرنًا في طريقة تفكيره أيضًا. فالعالم يتغير باستمرار، والتكنولوجيا تتطور، وأنماط الحياة تتحول، والتحديات تزداد تعقيدًا. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التفكير الجامد عائقًا حقيقيًا. إن ما نحتاج إليه اليوم هو التفكير المرن، أي القدرة على تكييف الرؤى والاستراتيجيات والحلول وفقًا للسياق والواقع.

وفيما يلي عدد من الأسباب التي تجعل التفكير المرن ضرورة ملحّة في زماننا الحاضر

١. العالم يتغير، والتفكير يجب أن يتكيف

التغيير سنة من سنن الحياة. ففي الماضي كان التعليم يعتمد على الكتب والسبورة فقط، أما اليوم فقد أصبح يعتمد على الأجهزة الرقمية والمنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكانت الوظائف سابقًا مستقرة وخطية، أما اليوم فهي تتطلب الإبداع والقدرة على التكيف.

ومن لا يغيّر طريقة تفكيره سيتخلف عن الركب. فالتفكير المرن يساعد الإنسان على قراءة الواقع، وتعديل الاستراتيجيات، واتخاذ القرارات المناسبة لمتطلبات العصر.

٢. التفكير المرن لا يعني التخلي عن المبادئ

يظن بعض الناس أن المرونة تعني التذبذب وفقدان الثبات، لكن الحقيقة أن المرونة لا تعني التخلي عن المبادئ، بل تعني حسن تطبيق المبادئ حسب الظروف.

ففي الإسلام تبقى القيم ثابتة، ولكن أساليب تبليغها يمكن أن تتنوع. فالقيم الأخلاقية لا تتغير، غير أن وسائل الدعوة والتعليم والتواصل يمكن تكييفها وفق الزمان والمكان وأحوال المجتمع.

٣. الانفتاح على تعدد وجهات النظر

التفكير المرن يعني عدم فرض رأي واحد باعتباره الحقيقة الوحيدة في المجتمع. فالشخص المرن يستمع إلى الآخرين، ويفهم آراءهم، ويأخذها بعين الاعتبار.

ولا تُعدّ الاختلافات تهديدًا، بل فرصة للتعلّم وتوسيع الأفق، وهذا أمر بالغ الأهمية في المجتمعات المتعددة ثقافيًا ودينيًا وفكريًا.

٤. الحلول ليست دائمًا واحدة

يمكن معالجة المشكلة الواحدة بطرق متعددة. فصاحب التفكير الجامد لا يرى إلا طريقًا واحدًا، بينما يستطيع صاحب التفكير المرن أن يجد بدائل مختلفة.

وفي مجال التعليم مثلًا، إذا لم تكن طريقة المحاضرة فعّالة، يمكن للمعلم استخدام النقاش، أو المحاكاة، أو الفيديو، أو المشاريع التعليمية. فالمهم ليس الأسلوب، بل تحقيق تعلمٍ ذي معنى.

٥. أهمية التفكير المرن في التعليم الإسلامي

لا ينبغي للتعليم الإسلامي أن يبقى حبيس الأساليب التقليدية الرتيبة. فجيل اليوم رقمي، بصري، وتفاعلي، ويحتاج إلى أساليب تعليمية إبداعية وسياقية.

ويساعد التفكير المرن معلمي التربية الإسلامية على تقديم المادة الدينية بطريقة جذابة دون الإخلال بالقيم الإسلامية. فالأخلاق، والعقيدة، والعبادة تبقى جوهر التعليم، لكن أسلوب العرض يمكن أن يكون أكثر تواصلًا وقربًا من واقع الطلاب.

٦. انسجام التفكير المرن مع مفهومي الحكمة والاجتهاد

في التراث الإسلامي، يتجلى التفكير المرن في مفهومي الحكمة والاجتهاد. فالحكمة تعني حسن التصرف، والاجتهاد يعني بذل الجهد العقلي لمعالجة القضايا المستجدة.

ولم يكن العلماء الأوائل جامدين في تفكيرهم، بل كانوا يكيّفون الفتاوى وأساليب الدعوة حسب ظروف المجتمع. وهذا يدل على أن المرونة جزء أصيل من التراث العلمي الإسلامي.

٧. بناء روح التسامح في المجتمع

يميل أصحاب التفكير المرن إلى التسامح، فلا يسارعون إلى إصدار الأحكام، ولا يندفعون إلى اللوم، ولا يغلقون أنفسهم أمام الاختلاف.

وفي الحياة الاجتماعية، يسهم هذا النهج في تحقيق الانسجام. فاختلاف الآراء يُعالج بالحوار لا بالصراع، وتُستقبل الانتقادات بوصفها فرصة للتحسين لا تهديدًا.

٨. المرونة في مواجهة الفشل

الفشل ليس نهاية الطريق، بل جزء من عملية التعلم. فصاحب التفكير الجامد يغرق في الندم، بينما يحوّل صاحب التفكير المرن الفشل إلى فرصة للتقييم والتطوير.

فهو يسأل: «ما الذي يمكن تحسينه؟» بدلًا من: «من المخطئ؟»، وهذه العقلية ضرورية في عصر المنافسة.

٩. كيف ندرّب أنفسنا على التفكير المرن

التفكير المرن ليس موهبة فطرية فقط، بل مهارة يمكن تنميتها من خلال:

التعود على تقبّل النقد

الاستماع إلى الآراء المختلفة

القراءة من زوايا متعددة

تجربة أساليب جديدة

التأمل في التجارب السابقة

ومع كثرة التدريب، يصبح التفكير أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

١٠. الاستعداد للمستقبل

لا يمكن التنبؤ بالمستقبل بدقة، لكن يمكن إعداد طريقة التفكير. فالتفكير المرن يجعل الإنسان أكثر هدوءًا، وأشد صبرًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة التغيرات.

وفي عالم مليء بعدم اليقين، لا يُعدّ التفكير المرن مجرد ميزة إضافية، بل ضرورة حياتية

الخاتمة

إن التفكير المرن هو مفتاح البقاء والتقدم في العصر الحديث. فهو ينمّي في الإنسان القدرة على التكيف، والتسامح، والإبداع، وإيجاد الحلول. وفي ميادين التعليم والدعوة والحياة الاجتماعية، يُظهر التفكير المرن الإسلام بوصفه دينًا رحمةً للعالمين: دينًا واقعيًا، حكيمًا، وقريبًا من حياة الناس.

قائمة المراجع

١. أرندز، ر. إ. (٢٠١٢). تعليم التدريس. نيويورك: ماكغرو–هيل.

٢. إنيس، ر. هـ. (٢٠١١). التفكير النقدي: التأمل والمنظور. أبر سادل ريفر: بيرسون للتعليم.

٣. هداية، ك. (٢٠١٨). الإسلام: دين المستقبل. جاكرتا: غراميديا.

٤. وزارة التربية والثقافة الإندونيسية. (٢٠٢٠). التعلّم المستقل: المفهوم والتطبيق. جاكرتا: وزارة التربية والثقافة.

٥. ماجد، أ. (٢٠١٤). استراتيجيات التعلّم. باندونغ: رمجة روسداكاريا.

٦. موليازا، إ. (٢٠١٣). تطوير وتنفيذ منهج ٢٠١٣. باندونغ: رمجة روسداكاريا.

٧. ناصوتيون، س. (٢٠١٠). مقاربات متنوعة في عملية التعليم والتعلّم. جاكرتا: بومي أكسارا.

٨. القرضاوي، ي. (٢٠٠٤). فقه الوسطية الإسلامية. القاهرة: دار الشروق.

٩. رحمن، ف. (١٩٨٢). الإسلام والحداثة: تحوّل التقليد الفكري. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو.

١٠. تيلار، هـ. أ. ر. (٢٠١٥). البيداغوجيا النقدية. جاكرتا: رينيكا تشبتا.

Tinggalkan Balasan

Alamat email Anda tidak akan dipublikasikan. Ruas yang wajib ditandai *