FEATUREDUpdate

تحوّل الفقه الاجتماعي

بقلم الدكتور عبد الودود نفيس

الملخص

إن التغيرات الاجتماعية السريعة تقتضي استجابة دينية تكون متكيفة وملائمة. فالفقه، باعتباره علماً من علوم الشريعة الإسلامية، لا يقتصر على تنظيم العلاقة الفردية مع الله (العبادات)، بل يشمل أيضًا العلاقات الاجتماعية بين الناس (المعاملات). وفي هذا السياق، برزت فكرة الفقه الاجتماعي كردٍّ على ديناميكيات المجتمع الحديث. تبحث هذه المقالة في كيفية تحوّل الفقه الاجتماعي، من خلال تغيّر المقاربات وصولاً إلى أشكاله التطبيقية في حياة الناس. ومن خلال اعتماد مقاربة مقاصد الشريعة وتأويل النصوص في سياقها، يمكن للفقه الاجتماعي أن يكون أداة لتمكين الأمة ووسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

الكلمات المفتاحية: الفقه الاجتماعي، التحوّل، مقاصد الشريعة، التأويل السياقي

أولاً: المقدمة

يُعد الفقه أحد الفروع الحيوية في العلوم الإسلامية، ومع ذلك فإنه غالبًا ما يُفهم ويُمارس بطريقة قانونية رسمية وفردية. وفي ظل واقع اجتماعي يتغير باستمرار، وتزداد فيه قضايا مثل الفقر، التفاوت، الإعاقة، البيئة، وحقوق الأقليات، تبرز الحاجة إلى نهج جديد في فهم الفقه وتطبيقه. وهنا ظهرت فكرة الفقه الاجتماعي، وهو فقه لا يقتصر على العلاقة التعبدية، بل يركز على الأبعاد الاجتماعية والمصلحة العامة.

وقد اكتسبت فكرة الفقه الاجتماعي زخمًا في العصر الحديث، لا سيما بين المفكرين الإسلاميين التقدميين. فعلى سبيل المثال، شدد الشيخ محمد أحمد سهل محفوظ على أهمية استخدام أصول الفقه ومقاصد الشريعة في معالجة المشكلات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، يجب أن لا يكون الفقه جامدًا، بل مرنًا وقادرًا على تقديم حلول واقعية.

ثانياً: تحوّل الفقه الاجتماعي

١. من الفقه الفردي إلى الفقه الاجتماعي

لطالما انصبّ اهتمام الفقه عبر قرون على الجوانب الفردية للعبادة. إلا أن الواقع يُظهر أن العديد من المشكلات الاجتماعية لا يمكن حلها بالنهج الروحي فقط. ومن هنا، جاء الفقه الاجتماعي كمنظور جديد يرى أن من مهام الشريعة الإسلامية تحقيق العدالة والتوازن والمصلحة في المجتمع.

ومن الأمثلة على هذا التحول: إدارة الزكاة؛ فبعد أن كانت تُستخدم بشكل استهلاكي للفقراء والمساكين، أصبحت تُطوَّر لتكون زكاة إنتاجية تهدف إلى تمكين الاقتصاد المجتمعي. ويعكس هذا الانتقال تطوّر الفقه من “عمل تعبدي” إلى “أداة اجتماعية”.

٢. مقاربة مقاصد الشريعة

لقد تأثر تحوّل الفقه الاجتماعي تأثرًا كبيرًا بمقاربة مقاصد الشريعة، والتي تهدف إلى تحقيق حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وتفتح هذه المقاربة المجال لإعادة تفسير النصوص، مع الالتزام بمبادئ العدالة والمصلحة العامة.

فعلى سبيل المثال، في مجال البيئة، نشأ فقه بيئي يدعو إلى حماية الطبيعة، وهو موضوع لم يكن يحظى باهتمام كبير في الفقه التقليدي. ويُظهر ذلك توسّع نطاق الفقه ليشمل المجال البيئي.

٣. التأويل السياقي والاستجابة الاجتماعية

يتميّز الفقه الاجتماعي كذلك بتأويل النصوص ضمن سياقاتها وبالاجتهاد الجماعي. فالتطورات الاجتماعية تدفع العلماء إلى الانفتاح على المنهجيات العلمية والحوار بين التخصصات. لذلك، أصبحت العديد من الفتاوى والتوصيات الدينية اليوم لا تعتمد فقط على النصوص الشرعية، بل تأخذ أيضًا في الحسبان البيانات التجريبية واحتياجات المجتمع.

ومن الأمثلة الأخرى: فقه الإعاقة، الذي يعترف بحقوق ذوي الإعاقة في العبادة والحياة الاجتماعية، وفقه الأقليات، الذي يسعى لحماية حقوق الفئات الهشة في المجتمعات التعددية.

ثالثاً: التحديات وآفاق المستقبل

رغم تطور فكرة الفقه الاجتماعي، إلا أنها تواجه تحديات من التيارات المحافظة التي ما زالت تتبنى نظرة نصية جامدة. كما أن هناك نقصًا في القدرة المنهجية وغياب الجرأة في الاجتهاد بين بعض العلماء. لذلك، من الضروري تعزيز المؤسسات التعليمية، وتشجيع التعاون بين العلماء والأكاديميين والناشطين الاجتماعيين.

ويجب أن يتجه الفقه الاجتماعي مستقبلاً نحو مزيد من الشمولية والمشاركة والقدرة على الاستجابة للتحديات الواقعية التي تواجه الأمة. فبهذا التحوّل، يصبح الفقه ليس فقط قانونًا، بل أخلاقًا اجتماعية وأداة للتمكين.

رابعاً: الخاتمة

إن تحوّل الفقه الاجتماعي أمر لا مفرّ منه في ظل التغيرات الاجتماعية السريعة. فلم يعُد الفقه مجرد أحكام جامدة، بل يجب أن يُفهم كحركة تهدف إلى تحقيق العدالة والمصلحة. ومن خلال اعتماد مقاربة مقاصد الشريعة، وتأويل النصوص ضمن السياق، وامتلاك الشجاعة للاجتهاد، يمكن للفقه أن يقدم حلولاً حقيقية لمشكلات المسلمين المعاصرة. وعليه، فإن تعزيز الفقه الاجتماعي يُعد جزءًا من مشروع تجديد الفكر الإسلامي، القائم على قيم الوحي والمنفتح على الواقع.

قائمة المراجع

١. محفوظ، محمد أحمد سهل. نُسُق الفقه الاجتماعي. يوجياكارتا: دار LKiS، 1994.

٢. القرضاوي، يوسف. فقه الأولويات. القاهرة: مكتبة وهبة، 1995

٣. عودة، جاسم. مقاصد الشريعة كفلسفة للقانون الإسلامي: منهج الأنظمة. لندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008.

٤. أركون، محمد. إعادة التفكير في الإسلام: أسئلة شائعة، وإجابات غير مألوفة. بولدر: دار وستفيو، 1994.

٥. رحمن، فضل. الإسلام والحداثة: تحوّل في التقليد الفكري. شيكاغو: جامعة شيكاغو، 1982.

٦. شمس الدين، محمد دين. “الفقه الاجتماعي كاستجابة لتغيرات العصر”، مجلة الفكر الإسلامي، المجلد 2، العدد 1، 2005.

٧. الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. لندن: دار آي بي توريس، 2011.

Tinggalkan Balasan

Alamat email Anda tidak akan dipublikasikan. Ruas yang wajib ditandai *