FEATUREDUpdate

أَهَمِّيَّةُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ فِي تَقْدِيمِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي إِنْدُونِيسِيَا

بقلم الدكتور عبد الودود نفيس

ِ وَالدَّعَوِيِّ الَّذِي أَرْسَاهُ العُلَمَاءُ مُنْذُ بَدَايَةِ انْتِشَارِ الإِسْلَامِ فِي جُزُرِ المَلَايُو. فَقَدْ كَانَ العُلَمَاءُ لَا يُقْتَصَرُ دَوْرُهُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الدِّينِ فَقَطْ، بَلْ كَانُوا قَادَةً .    اجْتِمَاعِيِّينَ، وَمُوَجِّهِينَ اقْتِصَادِيِّينَ، وَحُمَاةً لِلْقِيَمِ وَالأَخْلَاقِ فِي الْمُجْتَمَعِ

وَلَكِنَّ العَصْرَ الحَدِيثَ، الَّذِي يَتَّسِمُ بِتَقَدُّمِ العُلُومِ وَالتِّقْنِيَةِ وَالعَوْلَمَةِ، يَتَطَلَّبُ أَنْ يَتَكَامَلَ دَوْرُ العُلَمَاءِ مَعَ دَوْرِ الأَكَادِيمِيِّينَ، لِكَيْ تَتَحَقَّقَ قِيَمُ الإِسْلَامِ بِصُورَةٍ سِيَاقِيَّةٍ وَتَقَدُّمِيَّةٍ فِي بِنَاءِ حَضَارَةِ الأُمَّةِ.

إِنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِرَبْطِ القِيَمِ الدِّينِيَّةِ المِعْيَارِيَّةِ بِالمَنَاهِجِ العِلْمِيَّةِ التَّجْرِيبِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ العَصْرِ. وَبِغَيْرِ هَذِهِ الشَّرَاكَةِ، فَإِنَّ تَطَوُّرَ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي إِنْدُونِيسِيَا سَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِخَطَرِ الوُقُوعِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ نَقِيضَيْنِ: جُمُودِ التُّرَاثِيَّةِ دُونَ إِبْدَاعٍ، أَوِ الحَدَاثَةِ دُونَ رُوحَانِيَّةٍ.

أَوَّلًا: الدَّوْرُ التَّارِيخِيُّ لِلعُلَمَاءِ فِي بِنَاءِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي إِنْدُونِيسِيَا

مُنْذُ زَمَنِ الوَلِي سُونُو حَتَّى فَتْرَةِ الاسْتِقْلَالِ، كَانَ لِلْعُلَمَاءِ دَوْرٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ فِي تَشْكِيلِ مَعَالِمِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي الْجَزِيرَةِ الإِنْدُونِيسِيَّةِ. فَقَدْ أَسَّسُوا الْمَدَارِسَ الدِّينِيَّةَ وَالْمَعَاهِدَ (البِسَانْتْرِين)، وَغَرَسُوا قِيَمَ الإِسْلَامِ المُتَنَاسِقَةِ مَعَ الثَّقَافَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَشَارَكُوا فِي النِّضَالِ مِنْ أَجْلِ الاسْتِقْلَالِ الوَطَنِيِّ

الإِنْدُونِيسِيِّ. وَمَعَ تَطَوُّرِ التَّعْلِيمِ الحَدِيثِ، بَرَزَ جِيلٌ مِنَ الأَكَادِيمِيِّينَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ كَفَاءَاتٍ فِي مَجَالَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

وَهُنَا تَظْهَرُ فُرْصَةٌ كَبِيرَةٌ لِبِنَاءِ تَنَاغُمٍ بَيْنَ تُرَاثِ العُلُومِ الإِسْلَامِيَّةِ الكَلَاسِيكِيَّةِ وَالمَقَارِبِ العِلْمِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ، لِتَقْدِيمِ إِسْلَامٍ حَيٍّ وَقَادِرٍ عَلَى حَلِّ مَشَاكِلِ الأُمَّةِ.

ثَانِيًا: الأَكَادِيمِيُّونَ كَوُكَلَاءِ لِلتَّجْدِيدِ وَالعَقْلَانِيَّةِ العِلْمِيَّةِ

يَحْمِلُ الأَكَادِيمِيُّونَ رُوحَ البَحْثِ وَالاسْتِقْصَاءِ وَالمَنَاهِجَ العَقْلَانِيَّةَ فِي فَهْمِ الوَاقِعِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ وَالثَّقَافِيِّ. وَفِي سِيَاقِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، يَقُومُ الأَكَادِيمِيُّونَ بِمَهَامٍّ عِدَّةٍ، مِنْهَا:

١. تَطْوِيرُ العُلُومِ عَلَى أَسَاسِ قِيَمِ التَّوْحِيدِ؛
٢. إِنْتَاجُ الإِبْدَاعَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ الْمُرْتَكِزَةِ عَلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ؛
٣. رَبْطُ الإِسْلَامِ بِالعَالَمِ الحَدِيثِ دُونَ فِقْدَانِ الهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ.

إِلَّا أَنَّ العِلْمَ دُونَ قِيَمٍ وَتَوْجِيهٍ رُوحَانِيٍّ قَدْ يُصْبِحُ جَافًّا وَقَدْ يُضِلُّ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ دَوْرِ العُلَمَاءِ فِي تَوْجِيهِ مَسَارِ العِلْمِ وَغَايَاتِهِ لِتَبْقَى فِي إِطَارِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ

إِنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ لَيْسَ مَجَرَّدَ مَثَلٍ أَعْلَى، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ اسْتِرَاتِيجِيَّةٌ لِبِنَاءِ حَضَارَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَمُنْفَتِحَةٍ وَمُتَحَضِّرَةٍ.

:وَمِنْ نِقَاطِ التَّعَاوُنِ الَّتِي يُمْكِنُ تَطْوِيرُهَا

١. دَمْجُ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالعُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ الإِسْلَامِيِّ الشَّامِلَةِ؛
٢. البَحْثُ المُشْتَرَكُ فِي المَجَالَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالاقْتِصَادِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ؛
٣. حِوَارٌ بَيْنَ العِلْمِ وَالرُّوحَانِيَّةِ لِكَيْ لَا تَفْقِدَ الدِّرَاسَاتُ الأَكَادِيمِيَّةُ بُعْدَهَا الرُّوحِيَّ؛
٤. تَقْوِيَةُ المَؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ كَالمَعَاهِدِ الحَدِيثَةِ وَالْجَامِعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ التُّرَاثِ وَالإِبْدَاعِ؛
٥. مُشَارَكَةُ العُلَمَاءِ فِي صُنْعِ القَرَارَاتِ العَامَّةِ لِيَكُونَ التَّطَوُّرُ الوَطَنِيُّ مُرْتَكِزًا عَلَى القِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.

رَابِعًا: التَّحَدِّيَاتُ فِي بِنَاءِ التَّعَاوُنِ

:عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الإِمْكَانَاتِ الكَبِيرَةِ، فَإِنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ يُوَاجِهُ بَعْضَ العَقَبَاتِ، مِنْهَا

١. اخْتِلَافُ المَنَاهِجِ المَعْرِفِيَّةِ بَيْنَ النَّهْجِ النَّصِّيِّ وَالْمَقَارِبِ التَّجْرِيبِيَّةِ؛
٢. فُجْوَةُ التَّوَاصُلِ وَاخْتِلَافُ أَنْمَاطِ التَّفْكِيرِ؛
٣. قِلَّةُ الفُرَصِ لِلتَّلَاقِي بَيْنَ مَعَاهِدِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالجَامِعَاتِ؛
٤. ضَعْفُ دَعْمِ السِّيَاسَاتِ الحُكُومِيَّةِ لِلْبُحُوثِ التَّكَامُلِيَّةِ بَيْنَ الدِّينِ وَالعُلُومِ الحَدِيثَةِ.

وَتَجَاوُزُ هَذِهِ العَقَبَاتِ يَتَطَلَّبُ التَّقَابُلَ بِالاحْتِرَامِ، وَالانْفِتَاحَ العَقْلِيَّ، وَالالْتِزَامَ المُشْتَرَكَ لِجَعْلِ الإِسْلَامِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

خَامِسًا: التَّكَامُلُ نَحْوَ حَضَارَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ إِنْدُونِيسِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ

إِنَّ نُهُوضَ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي إِنْدُونِيسِيَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِلَّا بِاتِّحَادِ رُؤْيَةِ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ عَالِمٍ وَذِي خُلُقٍ.

فَالْعُلَمَاءُ يُقَدِّمُونَ الأُسُسَ القِيمِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ، وَالأَكَادِيمِيُّونَ يُقَدِّمُونَ المَنَاهِجَ وَالإِبْدَاعَ وَالتَّطْبِيقَاتِ العَمَلِيَّةَ. وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَرَّكُوا مَعًا فِي سَبِيلِ:

١. بِنَاءِ تَعْلِيمٍ إِسْلَامِيٍّ مُتَفَوِّقٍ وَمُتَكَيِّفٍ مَعَ العَصْرِ؛
٢. تَطْوِيرِ اقْتِصَادٍ إِسْلَامِيٍّ قَائِمٍ عَلَى العَدَالَةِ؛
٣. تَنْشِيطِ الثَّقَافَةِ البَحْثِيَّةِ وَالاجْتِهَادِ الحَدِيثِ؛
٤. تَعْزِيزِ هُوِيَّةِ الإِسْلَامِ النُّوسَنْتَارِيِّ الَّذِي يَتَّسِمُ بِالتَّسَامُحِ وَالاعْتِدَالِ وَالرُّؤْيَةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ.

الخَاتِمَةُ

إِنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَكَادِيمِيِّينَ لَيْسَ مَجَرَّدَ خِطَابٍ، بَلْ هُوَ حَاجَةٌ مُلِحَّةٌ لِنَهْضَةِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي إِنْدُونِيسِيَا.

فَالْعُلَمَاءُ دُونَ الأَكَادِيمِيِّينَ يَفْقِدُونَ قُوَّةَ الإِبْدَاعِ، وَالأَكَادِيمِيُّونَ دُونَ العُلَمَاءِ يَفْقِدُونَ البُوصْلَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ. وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسِيرَا مَعًا فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ، يَتَكَامَلَانِ وَيَتَعَاوَنَانِ فِي بِنَاءِ حَضَارَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ عَالِمَةٍ، مُتَحَضِّرَةٍ، وَمُتَقَدِّمَةٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:

> يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
(سورة المجادلة، الآية ١١)

Tinggalkan Balasan

Alamat email Anda tidak akan dipublikasikan. Ruas yang wajib ditandai *