استراتيجيات الطلاب في بناء المسار المهني
بقلم الدكتور عبد الودود نفيس
في مواجهة عصر العولمة المليء بالمنافسة، يُطلَب من الطلاب ألا يتميزوا فقط في الجانب الأكاديمي، بل أن يمتلكوا أيضًا استراتيجيات مدروسة لبناء مسيرتهم المهنية. فمرحلة الدراسة الجامعية ليست مجرد وقت لاكتساب المعرفة في قاعات الدروس، بل هي مرحلة مهمة لتشكيل الشخصية، وتنمية المهارات، وتحديد الاتجاه المستقبلي للحياة. لذلك، يجب على الطالب أن يكون قادرًا على وضع خطوات استراتيجية تجعله مستعدًا لمواجهة عالم العمل المعقّد والمتغيّر.
الخطوة الأولى التي يجب على الطالب القيام بها هي معرفة الذات واكتشاف القدرات. فكثير من الطلاب يواجهون الحيرة في تحديد مسارهم المهني لأنهم لا يعرفون ميولهم ومواهبهم الحقيقية. ومن خلال معرفة الذات، يستطيع الفرد اختيار المسار المهني الذي يتناسب مع شخصيته وقدراته. فمثلاً، الطالب الذي يمتلك مهارات تواصل جيدة قد يكون أكثر ملاءمةً للعمل في مجالات التعليم أو الإعلام أو العلاقات العامة، بينما الطالب الذي يتمتع بقدرات تحليلية ودقة عالية قد يبرع في مجالات البحث العلمي أو التقنية.
بعد معرفة الذات، تأتي الخطوة التالية وهي تحديد الأهداف المهنية بوضوح. يجب على الطالب أن يضع خريطة طريق (خطة مهنية) توضّح الخطوات التي توصله إلى تحقيق طموحاته. فوجود هدف واضح يساعد الطالب على تركيز جهوده ووقته فيما يخدم مسيرته المهنية. فعلى سبيل المثال، من يرغب في أن يصبح رائد أعمال، فعليه أن يشارك في دورات ريادة الأعمال، ويوسّع شبكة علاقاته التجارية، ويتعلم من ذوي الخبرة.
كما أن تنمية الكفاءات تعدّ جانبًا أساسيًا لا يقل أهمية. فبيئة العمل لا تقيم فقط المستوى الأكاديمي، بل تنظر أيضًا إلى المهارات الشخصية مثل التواصل، والقيادة، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي. لذلك، ينبغي على الطالب أن يشارك في الأنشطة الطلابية، والندوات، والدورات التدريبية لصقل تلك المهارات. وغالبًا ما تكون الأنشطة خارج القاعات الدراسية وسيلة فعالة في بناء الشخصية وتنمية العقلية المهنية.
ومن الجوانب المهمة كذلك الخبرة العملية والتدريب الميداني. فهذه التجارب تمنح الطالب فرصة للتعرف على بيئة العمل الحقيقية، وفهم المسؤوليات المهنية، وبناء أخلاقيات العمل. بالإضافة إلى ذلك، يُعد التدريب فرصة لتوسيع شبكة العلاقات التي قد تفتح أبوابًا مهنية بعد التخرج. فكثير من الشركات تقوم بتوظيف المتدربين الذين أظهروا أداءً متميزًا وسلوكًا مهنيًا عاليًا.
أما في بناء المسار المهني، فإن العلامة الشخصية (الهوية المهنية) تلعب دورًا كبيرًا. يجب على الطالب أن يبني صورة إيجابية واحترافية عن نفسه في الواقع وفي العالم الرقمي. ويمكن استخدام منصات التواصل المهني مثل LinkedIn لعرض الإنجازات والخبرات والمهارات. فمن خلال هوية مهنية قوية، يستطيع الطالب أن يُعرَف كشخص كفء وذي مصداقية.
غير أن كل هذه الاستراتيجيات تبقى ناقصة إن غاب الأدب والأخلاق. فالمسيرة المهنية الناجحة لا تُقاس فقط بالمال أو المنصب، بل بمدى البركة والنفع الذي تقدمه للآخرين. فالأخلاق والصدق هما الأساس في بيئة العمل. والطالب الذي يحافظ على الأدب، ويحترم الآخرين، ويتصرف باحترافية، سينال الثقة والتقدير. ومن منظور الإسلام، يُعد الأدب مفتاح بركة العلم ونجاح الحياة. وكما يُقال: «العلم بلا أدب كالنار بلا نور».
وفي النهاية، فإن بناء المسار المهني ليس عملية سريعة، بل رحلة طويلة تتطلب الصبر، والتخطيط، والنزاهة. يجب على الطلاب أن يستمروا في التعلم، والتكيف، والانفتاح على تطورات العصر. فالعالم المهني سيتغير دائمًا، لكن قيم الصدق، والمسؤولية، والاجتهاد ستبقى راسخة لا تتغير.
وباتباع الاستراتيجية الصحيحة، والاستعداد النفسي، والتحلي بالأدب الرفيع، سيتمكن الطلاب من تحقيق النجاح المهني الحقيقي، وأن يكونوا مصدر نفع وبركة للمجتمع. فالمسار المهني الذي يُبنى على العلم والأدب هو المسار القوي والمثمر والمشرّف

